«السير في الظلمة بلا نور»
3 1أنا هو الرجل الذي رأى المذلّة تحت قضيب سخطه. 2قادني وسيّرني في الظلمة بلا نور. 3حقًّا عليّ يردّ يده مرارًا وتكرارًا طوال النهار.
4أبلى لحمي وجلدي، كسّر عظامي. 5حاصرني وأحاط بي بالمرارة والمشقّة. 6أسكنني في الظلمات مثل الموتى منذ القِدَم.
7سيّج عليّ فلا أستطيع الخروج، أثقل سلاسلي. 8حتى حين أصرخ وأستغيث، يصدّ صلاتي. 9سدّ طرقي بحجارة منحوتة، عوّج سبلي.
10هو دبٌّ كامنٌ لي، أسدٌ في المخابئ. 11أزاغني عن طريقي ومزّقني، جعلني خرابًا. 12مدّ قوسه ونصبني هدفًا لسهمه.
13أدخل سهام جعبته في كليتيّ. 14صرت ضحكةً لكل شعبي، أغنيتهم الهازئة طوال النهار. 15ملأني بالمرارة، أشبعني بالمرارة.
16كسر بالحصى أسناني، وأذلّني في التراب. 17قد نُزع السلام عن نفسي، ونسيت ما هي السعادة. 18فقلت: «بادَ احتمالي، ورجائي من أبينا».
19اذكر مذلّتي وتيهاني، المرارة والعلقم! a a v19 مِفصَل الكتاب. بعد أن طلب من أبينا أن يذكر مذلّته، يتحوّل الشاعر في اللحظة التالية إلى ما سيتذكّره هو نفسه — فيجد المراحم جديدةً كل صباح. 20تذكُّرًا تتذكّر نفسي إياه، فتنحني فيّ. 21هذا أُردّده في قلبي، لذلك أرجو:
22محبة أبينا العهدية لا تنقطع أبدًا، ومراحمه لا تفنى؛ 23هي جديدة كل صباح؛ عظيمة أمانتك. 24قالت نفسي: «أبونا كل ما أحتاج إليه، لذلك أرجوه».
25أبونا صالح للذين ينتظرونه، للنفس التي تطلبه. 26جيّدٌ أن ينتظر المرء بسكوت خلاص أبينا. 27جيّدٌ للرجل أن يحمل النير في صباه.
28ليجلس وحده صامتًا حين يوضع عليه؛ 29ليجعل فمه في التراب، لعلّ هناك رجاءً؛ b b v29 كان وضع الفم في التراب في القديم هيئةَ تواضعٍ تامٍّ واستسلامٍ أمام الله. 30ليبذل خدّه لمن يضربه، وليشبع عارًا.
31لأن السيّد الآب لا يرفض إلى الأبد. 32وإن أحزن يترأّف بحسب كثرة محبته العهدية؛ 33لأنه لا يذلّ عن قلبه، ولا يُحزن بني البشر. c c v33 هنا نقطة التحوّل في الكتاب كله: أبونا لا يجرح عن قلبه. دينونته حقيقية، لكنها ليست قطّ ما يُسرّ به — فرأفته تفوق دومًا تأديبه.
34أن تُسحق تحت الأقدام كل أسرى الأرض، 35أن يُحرَم الإنسان حقّه أمام وجه العليّ، 36أن يُظلَم الإنسان في دعواه — السيّد الآب لا يرضى بذلك.
37مَن ذا قال فكان، والسيّد الآب لم يأمر؟ 38أليس من فم العليّ يخرج الشرّ والخير كلاهما؟ 39لماذا يتذمّر الإنسان الحيّ من عقاب خطاياه؟
40لنفحص طرقنا ونمتحنها، ونرجع إلى أبينا! 41لنرفع قلوبنا وأيدينا إلى أبينا الذي في السماوات: 42«نحن أذنبنا وعصينا، وأنت لم تغفر.
43التحفتَ بالغضب وطاردتنا، قتلتَ بلا شفقة؛ 44التحفتَ بالسحاب حتى لا تنفذ صلاة. 45جعلتنا وسخًا ونفايةً بين الشعوب.
46فتح كل أعدائنا أفواههم علينا؛ 47حلّ بنا الخوف والفخّ، الخراب والدمار.» 48عيناي تسيلان جداول ماء على دمار شعبي.
49عيناي تسكبان بلا انقطاع، بلا فتور، 50حتى يُشرف أبونا وينظر من السماء. 51عيناي تُحزنان نفسي على مصير كل بنات مدينتي.
52صادوني كالعصفور، الذين هم أعدائي بلا سبب؛ 53طرحوني حيًّا في الجبّ، وألقوا عليّ الحجارة؛ 54طفت المياه فوق رأسي، فقلت: «قد هلكتُ».
55دعوت باسمك، يا أبي، من أعماق الجبّ؛ 56سمعتَ تضرّعي: «لا تستُر أذنك عن استغاثتي!».
57اقتربتَ يوم دعوتُك، وقلتَ: «لا تخف!».
58خاصمتَ خصومة نفسي، أيها السيّد الآب، فديتَ حياتي. 59رأيتَ الظلم الذي لحق بي، يا أبي؛ فاقضِ في دعواي. 60رأيتَ كل نقمتهم، كل مؤامراتهم عليّ.
61سمعتَ تعييرهم، يا أبي، كل مؤامراتهم عليّ، 62شفاه مقاوميّ وأفكارهم عليّ طوال النهار. 63انظر إلى جلوسهم وقيامهم؛ أنا موضوع أغنيتهم الهازئة.
64تردّ لهم جزاءً، يا أبي، حسب عمل أيديهم. 65تعطيهم غشاوة قلب، تكون لعنتك عليهم. 66تطاردهم بالغضب وتُهلكهم من تحت سماوات أبينا.